إشكالية الهوية العربية في حياة المترجم العربي – هويتنا العربية ولغتنا الأم إلى أين؟

إشكالية الهوية العربية في حياة المترجم العربي

هويتنا العربية ولغتنا الأم إلى أين؟!

 

بسم الله الرحمن الرحيم ” ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ” صدق الله العظيم

بسم الله الرحمن الرحيم “وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ” صدق الله العظيم

أتناول في موضوعي الأول إشكالية الشغف بتعلم اللغات الأجنبية حتى وصل بنا هذا الشغف أن اتهمنا لغتنا الأم بالفقر وعدم الثراء. جاء الحديث بعدما كنت أتصفح مقالات وحروفا منثورة هنا وهناك لزملاء أفاضل في مجالات الترجمة والتحرير والتعريب، وإذ وجدت بين طيات تلك المقالات مقالًا يتهم لغتنا الأم بالافتقار لمرادفات كثيرة مقارنة باللغة الإنجليزية حيث استهلت على حديثها -صاحبة المقالة- بمثال عن لفظة “الابتسامة” متجاهلة بذلك مجرد تصفح المعاجم أو حتى قاموس المعاني ولسان العرب على الإنترنت كما يرد أدناه:

المعاني: مرادفات كلمة ابْتِسامة (اسم): بَسْمَة، بَشَاشَة، بِشْر، تَهَلُّل، زَهْزَقَة، ضِحْكَة، طَلاقَة، قَهْقَهَة، هَشَاشَة.

والآن دعونا نبحر معًا في أسباب اندثار لغتنا الأم، إن صح التعبير. من وجهة نظري الشخصية كوني مترجمة ولغوية أن أساس المشكلة ابتدعناها _نحن الشعوب العربية_؛ حيث تجاهلنا علو وسمو لغة الضاد. ويحضرني هنا قبل المضي قدمًا حديث دار بيني وبين أحد الزملاء في منشور يخص لغتنا الأم في إحدى المنتديات عام 2009 قائلًا:

“للّغة دينامية تحكمها، فنتائج البحوث اللسانية أظهرت تلك الحركية اللامنتهية في تطوّر اللّغات. حيث لا نستطيع أن نقول أكاديميا إنّ اللّغة العربية أسمى اللّغات. إنّها لغة تؤثر وتتأثر بغيرها من اللّغات. أمّا عن موضوع تطوّر اللّغة العربية، فهذا شأن يخصّ أهلها، فإن هم تطوّروا تطوّرت معهم، وإن هم تخلّفوا تخلّفت معهم. إنّ الدينامية السوسيولوجية أو إذ أردت الاجتماعية عامل أساسي يحكم تطوّر اللّغة، وهذا الأخير تحكمه عوامل أخرى كالسياسة والتطوّر العلمي والقوّة العسكرية… إلخ”

وكنت آنذاك اتفقت معه في الشق المعني بمفهومي التأثير والتأثر، فلا يقتصر هذا على اللغات فحسب بل يشمل أمورا أخرى مختلفة سنسردها لاحقًا، فبالفعل أساس المشكلة يكمن في أهل اللغة لا في اللغة ذاتها. ولكن اختلفت معه في رفضه توصيف لغتنا العربية بأسمى اللغات “عمليًا” مستشهدة في ذلك بتراجم كتاب الله عز وجل، والذي عجزت اللغات الأخرى عن ترجمته بنفس الفصاحة والبلاغة وسيبقى الأمر كذلك مهما مرت السنون والأيام، ومهما تطورت اللغات وتحسنت، ومهما اندثرت أخرى وماتت!

والآن دعوني أسرد عليكم من واقع تجربتي العملية الأسباب المختلفة وراء تلاشي هويتنا العربية ومعها لغتنا المبينة!

السبب الأول:

“السخف المأثور في أن الخطأ المشهور خير من الصواب المهجور!” كما وصفها أحد علماء اللغة العربية الأستاذ مكي الحسيني في كتابه “نحو إتقان الكتابة باللغة العربية”، فمع احترامي لكل من يؤيد تلك الفكرة، فسبب ثراء اللغات الأجنبية الآن  أنهم حافظوا على لغتهم وظلوا متمسكين بها وإن اندثرت بعض الكلمات مع مرور الزمن لكنها لا تزال حية يعرفونها وأعتقد أنهم لا يجعلون من الصواب أمرًا مهجورًا كما نفعل نحن ونفتخر! لم لا نجتمع على أن نجعل من الصواب المهجور صوابًا مشهورًا! أليست هذه رسالتنا اللغوية السامية والحقيقية “الحفاظ على اللغة العربية ؟!” ولا أعني بذلك أبدًا الحديث بالفصحى وسط الأصحاب والأهالي، أو في المناسبات الشخصية لا محالة! فلكل مقام مقال – كي لا يسيئ فهمي أحدهم.

السبب الثاني:

ابتعاد بعضنا كل البعد عن المعاجم العربية والذهاب للقواميس ثنائية اللغة، فلو بحثنا في المعجم عن المترادفات للكلمات وغيرها سنجد ضالتنا وسنثري القارئ العربي، تمامًا كما نسعى لاقتناء قواميس مثل “Oxford Collocations” أو “Thesaurus”.

السبب الثالث:

ترك الساحة للصائغ الأجنبي، حتى صاغ المصطلحات وترجمناها نحن متجاهلين بذلك سلاحا أساسه ثلاثة أحرف (فَعَلَ) أعني بذلك “الأوزان الصرفية”، فلماذا لا نبحر في علم الصرف الخاص بلغتنا الأم إلى جانب هذا الاهتمام الملحوظ المعني بالـ “Affixation”مثلًا!

السبب الرابع:

سرعة طلبات الأعمال المترجمة التي لا تساعدنا في البحث والتنقيب الجيدين نحو ترجمة صحيحة 100% مما يقلل من فرصة تميزنا اللغوي وهذا الأمر بحاجة لوقفة جماعية أساسها الجودة الترجمية، حيث وقعت اللغة في براثن السرعة مما تمخض عنه آثار سلبية كان لها بصمة لا بد وأن تتلاشى. ففي وقتنا الحالي أصبحت سمة من سمات المترجم “الشاطر!” سرعته في الترجمة! ألم يحن الوقت لأن نضع حدًا للترجمات التي تطلب بين ليلة وضحاها فكثير منا وقع في فخ الترجمة السريعة التي أظهرت فيما بعد أخطاء فادحة مع مرور الزمن، فلو أخذ المترجم وقته في البحث والتنقيب والمعرفة لظهرت الترجمات أفضل وأعلى من حيث الجودة. ومن ثم، ازدهار لغوي عربي من وقت لآخر إلى جانب تفادي شيوع ألفاظ وتراكيب في اللغة العربية ليست من طبيعتها. ذلك لأن أغلب الأخطاء اللغوية الشائعة التي نقرأها اليوم في الصحف وعلى وسائل التواصل الاجتماعي ما هي إلا أخطاء – للأسف- ولدت من أقلام عربية نتاج موروث ترجماني حرفي سيئ عن أصول أجنبية قام بها الأسلاف لا تمت ألبتة لعربيتنا الأصيلة، وفي حال استمر الأمر على منواله سيكون نذير سوء لا محاله. وأقترح أن يتسع الوقت للمترجم أن يعطي النص لمصحح ومراجع لغوي بعد الانتهاء من مرحلة الترجمة والمراجعة والمطابقة، إذ سيولد ذلك معه نصًا أكثر فصاحة، وسيفتح الباب لنا نحو فهم أعمق للغتنا الأم بمساعدة زملائنا من متخصصي اللغة العربية. وفي النهاية، لغتنا هويتنا وباعتبار أن براعم التغيير قد ولدت في عالمنا العربي فما المانع من التغيير المهني واللغوي .

وآخر ما أختتم به مقالي هذا شعر الشاعر اللبناني حليم دموس:

لغة إذا وقعت على أسماعنا
كانت لنا بردًا على الأكباد
ستظل رابطة تؤلف بيننا
فهي الرجاء لناطق بالضاد

ومقولة الإمام الشافعي “رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب، ومن جاءنا بأفضل منه قبلناه”

وللحديث بقية!

شيماء رياض

 

!تنويه: المقالة كتبت في الأصل لموقع (ليدي لينجوا) مع خالص شكري وتقديري لهن

Leave A Comment