تذكرة سفر مجانية لعالم الترجمة والمترجمين

تذكرة سفر مجانية إلى عالم الترجمة والمترجمين

يبحث المترجم الحر دومًا عن عمل مستديم، وبالطبع ينتابه _بين تارة وأخرى_ الحيرة والشك، وخاصةً وقتما يتوقف أحد العملاء عن إسناد مشاريع إليه رغم دوام بحثه عن مترجمين؛ ولعل في ذلك مؤشرًا لوجود شيء ما وجب تغييره في الأسلوب المهني/ العملي. ومقالي يخص بالذكر العميلَ المخضرمَ ذا الثقل في المجال؛ باستثناء من يبخس المترجم حقه أو يتعامل معه بنظرة فوقية بعض الشيء.

ولعلك أخي المترجم تجد بين الحروف المنثورة هنا فرصة لتكتشف نفسك من جديد، أو لتعيد ترتيب مهامك وأمورك نحو علاقة أفضل بينك وبين العميل. وإن كانت الأمور تسير معك على ما يرام، فإن مرادي يتلخص في إعادة هيكلة المفاهيم ومناقشتها من جديد، ذلك لأن المترجم إلى جانب الجودة التي يقدم، “سمعة” وخاصة في عالمنا “الحر”.

رحلتنا مكونة من ثلاث وجهات: 1) اختيار التخصص والتعليم الذاتي والعمل التطوعي 2) إيجاد العميل واكتساب الخبرات العملية 3) الخبرة والعمل المستمر.

الوجهة الأولى

اختيار التخصص والتعليم الذاتي والعمل التطوعي

  • متطلبات السوق أم الهوى الشخصي؟: مشكلة اختيار التخصص لا مفر منها في مجالنا، وإجابة هذا السؤال تبدأ بأن تبذل جهدًا فائقًا لمعرفة حقيقة مهاراتك التي تمكنك من مواكبة سوق العمل ومن بعدها، الإبحار المهني فيه” فالحق وسط بين باطلين”. وفي البداية يمكنك أن تقطف زهرة من كل بستان، وبعدها تواكب السوق ومتطلباته وفقًا لقناعتك الشخصية، اعرف شيئًا عن كل شيء، ولا تنسَ أبدًا حقيقة أنه لا يوجد أبدًا “مترجم بتاع كله!” واعتبر نفسك ولو لعام واحد في “إعدادي ترجمة”.

  • التعليم الذاتي المستمر: نصيحتي “ادخل وسط الزحمة ومتخافش!” لا تخفِ نفسك أمام الشاشة تتابع الأساتذة دون حوار وسؤال. كي تدخل المجال تابع مجموعات الفيس بوك التعليمية المنظمة، التي تخلو من القيل والقال والتفاهات؛ كي لا تنأى بعيدًا عن هدفك. احرص على حضور ورش العمل المجانية ومدفوعة الأجر إن كان ذلك عن بعد أو عن قرب. تعلم الاستفادة من مواقع LinkedIn وProz وTranslators Cafe. وقبل كل شيء تسلح بالقراءة وتدرج فيها بدءًا بالمستوى العام مرورًا بالمستوى المتوسط وصولًا للمتخصص. أضف إلى ذلك أهمية العمل التطوعي والأماكن التي تقدم هذه الخدمة كثيرة مثل Coursera وUnited Nations وTED وغيرها.

الوجهة الثانية

إيجاد العميل واكتساب الخبرات العملية

  • الاختبار/ العينة: من بعد دراسة السوق ومتطلباته، والتعرف على إمكاناتك ومهاراتك، تأتي مرحلة التسويق الذاتي لنفسك وفيها تتعرف على العملاء بمختلف طباعهم، ولكن ما تجده متكررًا في البداية هو الاختبار أو العينة التي يحدد بها العميل مستواك؛ ولا بد هنا من تأكيد حجم العينة الذي يتراوح من 250 إلى 400 كلمة كحد أقصى وما يزيد عن ذلك فهو مدفوع الأجر!

  • المشكلة المستمرة (أسعار الترجمة أو “الريت”): والآن وقد انتهينا من مرحلة التعرف على الذات والوصول لعميل من بعد توفيق الله في العينة، نأتي لمرحلة الاتفاق على الأجر، وهي في الحقيقة مشكلة تتفاقم يوميًا في عالمنا العربي، إلا أنه باتباع أسس معينة تنتهي المشكلة. أول تلك الأسس: القضاء نهائيًا على ما يسمى بالسعر الثابت في المجال! فالأسعار تختلف وفقًا للتخصص، ولبلد العميل، ولميعاد التسليم، ولمستواك، ولخبرتك. علمًا بأن زملاءنا الأجانب قد وضعوا أساسًا من ثلاثة ألوان لحل مشكلة الأسعار وفقًا لما ورد أعلاه: الأحمر والأصفر والأخضر؛ أما الأحمر، فهو ما يرمز للسعر غير المقبول أبدًا؛ أما الأصفر فهو ما يرمز لمتوسط السعر أو الحد الأدنى الذي تحدده وفقًا لإمكاناتك واحتياجاتك؛ أما الأخضر فهو ما يرمز لسعرك المرجو إلا أنه يتباين ويختلف كما شرحنا سابقًا. وفي الواقع ما يؤلمني هو وجود عملاء يعشقون التفاوض عشقا! وكأنه إن لم يتفاوض لم يجد مرادًا ولا لذة، بل أحيانًا يصل به الأمر بأن يختبر نظرتك لنفسك بالسعر الذي تقدم “عميل لئيم حبتين!”ولا تتعجب إن سمعت أحدَ العملاء بعد مدّة كبيرة تمتد لسنوات يطلب منك تخفيض المبلغ الذي اتفقتم عليه عوضًا عن زيادته!! والحجة في ذلك “الخبرة والاعتياد” مثلما هو الحال مع الترجمة القانونية، مثلا وكأن الخبرة لا تزيد من الإنتاجية في آن! وفي النهاية نصيحتي بعد السرد الوارد أعلاه أن يدلي العميل بدلوه بعدها تحدد أنت متطلباتك وفقًا لهذا التصنيف الثلاثي.

  • إستراتيجية الدفع: بالنسبة للدفع فهو إما أن يكون شهريًا وإمّا كل 45 يومًا، وهناك شركات تدفع كل 60 يومًا ولكن لها أسس وشروط كأن يكون المشروع كبيرًا بعض الشيء، وفي هذه الحالة يدفع العميل دفعة بمجرد تسليم الملف ودفعة أخرى بعد المراجعة والمطابقة بما لا يزيد عن ستين يومًا. وحذاري من عقود الاحتكار التي ما هي إلا وسيلة للعمل بالسخرة ليس إلا.

  • قبل الموافقة على العمل تذكر أن: 1) تسأل عن العميل الخاص بك على الفيس بوك ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، وعلى المواقع المهنية الأخرى والمنتديات مثل: Proz وTranslators cafe2) تتفق مع العميل على ميعاد التسليم والأسعار 3) تتفق مع العميل على المصطلحات التخصصية، هل تترجمها بنفسك حسب اجتهادك أم أن لدى العميل مسردًا خاصًا به عليك اتباعه 4) تسأل العميل عن الأسماء والأماكن والاختصارات الواردة في داخل النص 5) تستفسر عن الأسلوب المفضل لذكر الاختصارات أو أسماء الشركات، هل تترجمها بأسلوب النقحرة Transliteration مثل Pepsi بيبسي أم تترجم للعربية مثل شركة محمد للنقل Mohamed Transportation Co6) هل لا بد من استخدام أي من أدوات الكات تولز من عدمه 7 ) تستفسر عن نوعيه القارئ المستهدف Target Reader كي تعرف مسار النص، أهو متخصص يقرأه أهل التخصص أم متخصص يقرأه العامة قراءة مبسطة؟!

الوجهة الثالثة

الخبرة واستدامة العمل

  • الجودة: مفتاح النجاح المهني، إذ تتباين كمية المشاريع التي تستلم بناءً على الجودة التي تقدم. حاول أن تعطي النص ما يستحقه وابحث عن كل كلمة ينتابك الشك بشأنها، وحتى تلك التي تعرفها، لربما تجد مترادفًا لفظيًا أبلغ أو أفضل. حاول تطوير نفسك باستشارة أصحاب الخبرة فالاستشارة “فن التواصل بين العقول”. ولا تقلق أبدًا من المراجعة والاستجابات المرتدة – “الفيدباك”. وعليك أن تتحلى بالصبر والجلد ليتسع صدرك لسماع وجهة نظر كبار المترجمين من حولك؛ فقد تتولد هنا فرص لتصحيح مفاهيم علم لا نهاية له! لا تفقد ثقتك بنفسك فالترجمة علم “ملوش كبير!” فاقرع الحجة بالحجة واثبت قدراتك ولا تقلل من مجهودك أبدًا؛ فطريق الترجمة كله عثرات عليك أن تتخطاها. وتحل بالتواضع والثقة ولا تستحي أبدًا من التساؤل وتذكر أن “قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ كَيْفَ أَصَبْتَ هَذَا الْعِلْمَ؟ قَالَ: “بِلِسَانٍ سَؤُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ”.

  • السلاسة والاستجابة والثقة: استجابتك لكل نصيحة مهنية إلى جانب التحلي بالثقة الاحترافية ضماناتك الأساسية لاستدامة التعامل. أما عن المشاريع المتعددة للعميل الواحد؛ فعليك ترتيبها وفقًا لخطة زمنية ترسلها للعميل كي يلمس جديتك في الالتزام بمواعيد التسليم.ومن بين السبل المقترحة لتنظيم المهام هو استغلال التطور التكنولوجي في هواتفنا الذكية مثل، تطبيقات Remindersأو Notes ومثلها على الإنترنت موقع  Todoist.comوهو موقع مميز جدًا في هذا الصدد وعرفت من القائمين عليه إنهم يسعون بجدية هذا العام لدعم اللغة العربية من خلال تعريب موقعهم وخدمتهم.

  • ميعاد التسليم والالتزام بكلمتك واتفاقك: من حق العميل أن يحدد موعد التسليم، ومن حقك المهني أن ترتب أمورك وتحدد ما إذا كان ذلك يتناسب معك من عدمه! ولكن لا يحق لك أبدًا أن تتخلف عن ميعاد التسليم. لذا، ارفض ما لا يتوافق مع تخصصك أو كفاءتك أو وقتك أو التزاماتك. رفض العمل مع تحديد الأسباب أفضل للعميل وصاحب المشروع من التأخر وعدم الالتزام بالمواعيد كي لا يؤثر بالسلب عليك، فضلًا عن أن مردوده سيكون سيئا على العميل؛ ذلك لأن المشروع سلسلة مترابطة إذا تأخرت مرحلة ما أو تعارضت مع أخرى سيؤثر ذلك فيما تبقى من إجراءات. وفي الواقع لحل تلك المعادلة الصعبة يجب أن تكون جادًا وصادقًا مع نفسك، اعرف قدراتك الحقيقية.

  • سبل التعامل مع مواعيد التسليم: من منا لم يقرأ في مادة الأحياء الأسماءَ اللاتينية للعائلات النباتية والحيوانية؟ ومن منا لم يواجه مشكلة في فهمها وحفظها وكتابتها؟ وكان حلها الوحيد تقطيع الكلمة لأجزاء، وهو الحل مع المشاريع الكبيرة أيضًا، ففي إدارة الوقت يكمن مربط الفرس. وقد طور الإيطالي “فرانشيسكو سيريلو” نظرية رائعة في إدارة الوقت تسمى “بومودورو Pomodoro Time ” إذ يمكن تقسيم عدد الكلمات اليومية على مدار ساعات العمل لتحقيق عدد الكلمات المطلوبة منك يوميًا، وأَخْذُ قسط من الراحة كل نصف ساعة مثلا بما لا يزيد عن 10 دقائق مع الالتزام الكامل بالابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي والتلفاز وغيرها من المؤثرات الخارجية. أضف إلى هذه النظرية -التي أدعوكم للاستزادة بالقراءة عنها عبر الإنترنت -برامج الحجب Block Apps التي تساعدك في ألّا تتأثر أبدًا بأي مؤثرات خارجية، وخاصية Mute أو Edit Notification Settings لأي جروب أو مجموعات دردشة إلخ. هذا إلى جانب تخصيص وقت محدد لوسائل التواصل الاجتماعي للاستفادة منها لا العكس!

  • مواعيد التسليم المضغوطة… ما الحل؟: إذا أرسل لك العميل عملًا مضغوطًا لا بد من التواصل المهني معه وأوصيك بأن تكون صادقًا مع نفسك ومع قدراتك؛ فخوفك وأمانتك تجاه النص تعلي من قدرك لدى العميل؛ فمهما مر الزمن فإن المعادلة بين الكم والكيف هي مفتاح النجاح.

  • حدثت الكارثة ولم توفق في ميعاد التسليم: ليست نهاية العالم! ولكن، ألم تشعر بذلك قبل المضي قدمًا؟ بالطبع شعرت! لذا؛ إن صادف ووجدت ما يشير بأنك لن تستطيع الالتزام بميعاد التسليم المقترح ناقش ذلك مع العميل واجعل الجودة حجتك! فسرعة القرارات ليست رخصة لنص يفتقر للجودة والمعايير اللغوية. ولا تنسَ أن فن قبول العمل لا يقل أهمية عن رفضه! وأوصيك برفض المهمة في حالتين: 1) غياب التخصص، 2) عدم موافقة العميل على مد ميعاد التسليم “الخيالي/ المضغوط”.

  • تيسير سبل التواصل: في مهنتنا -وخاصة العمل الحر- سهولة التواصل مطلوبة ولكن بحدود، فالعميل من حقه أن يصل لك في أوقات “محددة ومعينة”، وفي الوقت ذاته، وقتما يتواصل معك بشأن مشروع ما، يجب أن تجيب _على الأقل_ في مدة زمنية لا تتخطى النصف ساعة، لسهولة ذلك، يمكن التواصل عن طريق مواقع/ وسائل التواصل المختلفة حسب رغبتك ورغبته وبشتى الطرق ولكن (حسب اتفاق سابق بينك وبينه لا محالة).ووقتما تكون سبل التواصل مستعصية لأي سبب كان–عطل فني مثلا – يمكنك إبلاغ العميل بذلك وخاصة في أثناء العمل على مشروع كبير ممتد أو في حالة التعامل اليومي مع أحد العملاء.

  • المترجم سمعة: التزامك رخصتك للسفر من دولة لأخرى ومن عميل لآخر عبر الإنترنت. فكن حريصا على أن تترك طيب الأثر من مشروع لآخر. وإن كنت مشغولًا في وقت من الأوقات حاول أن تبلغ عميلك بذلك، سيقدرك كثيرًا فلا داع لتتأثر جودتك في سبيل الموافقة على المشاريع كلها في آن واحد. ويصح أحيانًا الإفصاح عن انشغالك ومناقشة سبل التنسيق بينك وبين العميل. وعليك أن تعلم تمامًا أن مهام العميل ومدير المشروع كثيرة، فإعادة إرسال مشروع لأكثر من شخص ومتابعته ومراجعته ليست بالمهمة الهينة أبدًا، وخاصة إذا جاء رفضك لمشروع ما بعد الموافقة عليه بمدة زمنية كبيرة.

  • تحديث بياناتك ومهاراتك لدى العميل:لا مانع أبدًا من إبلاغ العميل إذا اكتسبت مهارة أو شهادة جديدة في المجال، ولا مانع من إعادة إرسال سيرتك الذاتية المحدثة لفتح أبواب أكبر ومجالات أوسع للتعاون فيما بينكما.

  • الأدب في التواصل والتعامل: تحل بالأدب والذوق وحافظ على مهنية ورسمية التواصل في التعامل والحديث، فما فائدة الجودة العالية إذا غابت مهنية التواصل الاحترافي والأخلاقي؟!

  • العميل الجديد وكيفية جذب الانتباه: لعله من الأفضل أن تعمل على إعداد فقرة صغيرة عن مهاراتك وإمكاناتك التي تشجع العميل الجديد على التعامل معك كحجر أساس مستقبلي. ما الميزات التي تميزك عن غيرك من منافسيك مثلًا؟!بإمكانك أيضًا – لاجتذاب عملاء جدد – أن تسعى نحو الاستفسار عن سبب استمرارية التعاون بينك وبين عميلك المستديم/ الحالي، فمن شأن ذلك أن يكسبك فكرة عما يجب أن تشير إليه وتشرحه بدقة للعميل الجديد لتجذب انتباهه ليتعامل معك. واعلم أن العميل يحق له الاطمئنان بأنه باختياره لك وتعامله معك سيحقق أهدافه ومرامه. ولكن، احذر التصنع والمبالغة لأن ” ليس كل ما يلمع ذهبا ولا كل ما يبرق فضة”.

وللحديث بقية!

شيماء رياض

!تنويه: المقالة كتبت في الأصل لمجلة (أسرار عالم الترجمة) مع خالص شكري وتقديري للقائمين عليها

Leave A Comment