Arabic Localization: Speak their Tongue & Write their Way – (1)

الترجمة والتوطين (الجزء الأول)

 

أرى أن ما يميز مترجمًا عن الآخر ليس فقط معرفته بالمقابل المعجمي للمصطلح اللغوي، ولكن معرفته بما يقابل ذلك المصطلح في شتى البلدان. وهنا يظهر تحدٍّ آخر؛ فكثير من المترجمين ينجح في إعطاء المقابل المعجمي الصحيح لمصطلح ما، وقليل منهم قادر على التوطين…

وإن كنت أرى أن هذا الأمر ليس ميزة إضافية، بل ضرورة حتمية…فالدور الرئيس للمترجم هو الإفهام؛ ومن لا يَفهم لا يُفهِم! وهذا بُعد آخر يعكس احترامك للقارئ المستهدَف؛ فهل تقبل أن يحدثك أحد بلغة لا تفهمها؟ بالطبع لا.

فلماذا تتحدث إلى المواطن السعودي بلسان أهل المغرب، وتتحدث إلى أهل ليبا بلسان أهل الكويت؟! فالتوطين يا سادة من أخطر المسائل، لا سيما في القانون؛ لِمَا يترتب عليها آثار قانونية كبيرة… وهذه القضية معروفة في نظريات الترجمة باسم “Cultural Equivalence ” أو التناظر الثقافي، وقد صنفه Jakobson إلى ثلاثة أنواع: Intralingual/ Interlingual/ Intersemiotic، ما يعنينا هنا هو ما بداخل اللغة الواحدة “Intralingual” وهاكم ما نُقل عن ياكوبسون في هذا الأمر: Jakobson claims that, in the case of interlingual translation, the translator makes use of synonyms in order to get the ST message across. لو تأملنا ما ذكره Jakobson ؛ لوجدنا أن مفاد ما قال هو: أن عند الترجمة بين لغتين، يستخدم المترجم (مترادفات)- حسب ما يناسب كل دولة مثلًا- لتوصيل رسالة النص الأصلي. وهو ما يتسق مع ما قاله شيخ المترجمين د.عناني في معرض حديثه عن نظريات المعنى في الترجمة في كتابه “نظرية الترجمة الحديثة”.

ودعوني أزدكم؛ لقد بسط التوطين جناحيه حتى وصل إلى عبارات الإجلال التي يخاطب بها الرئيس والأمير والملك والعاهل؛ فمصطلح Your Majesty (المستخدم في البلدان ذات النظام الملكي؛ وحري بنا أن ننتبه إلى هذا الفرق بينه وبين Your Excellency المستخدم في الحديث إلى الرؤساء؛ فربما لو استخدمنا Majesty أعطت نغمة تهكمية، وكأنك تقول له “أنت غير ديمقراطي وادعاء النظام الجمهوري كذبة). تُترجم في الكويت إلى: صاحب السمو أمير دولة الكويت الشيخ….. وفي البحرين إلى: صاحب الجلالة الملك…. عاهل البلاد المفدَّى حفظه الله ورعاه. وفي المغرب إلى: صاحب الجلالة الملك….. نصره الله. وفي سلطنة عمان إلى: جلالة السلطان….. حفظه الله ورعاه‏. وفي السعودية إلى: صاحب المقام السامي الكريم خادم الحرمين الشريفين حفظه الله. وفي الأردن إلى: مولاي صاحب الجلالة الهاشمية الملك… حفظه الله وأعز ملكه.

علاوة على ذلك، إن مصطلح “السيد/ فلان” الذي نستخدمه في مصر في مطلع المراسلات الإدارية المرسلة إلى أفراد عاديين ترجمةً لـDear sir وتحاكينا فيه سوريا والعراق والمغرب يختلف في مدلوله لدى سلطنة عمان؛ فكلمة السيد/ السيدة/ السادة لا تقال إلا لأفراد العائلة المالكة، ويستخدمون بدلًا منه كلمات الفاضل/ الفاضلة/ الأفاضل على الترتيب.

ناهيك عن الألقاب الدقيقة التي تضعها عمان قبل الأسماء حسب الوظيفة؛ “فالمكرم” لأعضاء مجلس الدولة والشيوخ و”الفاضل” لعوام الناس. وأبت السعودية إلا أن يكون لها طابعها الخاص في هذا الأمر؛ فلم تحصر “المكرم” على الشيوخ وأعضاء مجلس الدولة فقط، على نحو ما فعلت عمان، لكنها جعلته قالبًا ثابتًا يتصدر أسماء العوام عملاً بالآية الكريمة :{ولقد كرمنا بني آدم} وهذا لا ينفي عنها اهتمامها هي الأخرى بالألقاب، وتفانيها في تخصيص لقب لكل فئة؛ فتستخدم “السيد “لآل البيت من نسل الحسن فقط، بينما تستخدم “الشريف” لنسل الحسين.

كما تضع “جلالة” قبل الملك، و”سمو” قبل الأمير، أما أصحاب المناصب الأخرى في الدولة ابتداءً من رئيس الوزراء، فالوزير، فالسفير، فالنائب، فنجد مصطلحات (الفخامة) و(المعالي) و(السعادة) تتقدم عناوينهم الوظيفية وأسماءهم. وعند الحديث عن الملوك والأمراء ينبغي الاحتراز؛ لأن الأمير في دول الخليج قد يكون هو الملك، لكن في المغرب مثلاً هناك فرق كبير بين الملوك والأمراء؛ فالأمير- أو سمو الأمير- في المغرب أو السعودية نستخدم Your Royal Highness بينما مثلاً أمير قطر وأمير البحرين وأمير الكويت نستخدم Your Majesty لأنه من المعروف أنه الحاكم.

ولو تأملت حتى الألقاب التي تسبق أسماء الوزراء لوجدت أن “معالي”، التي نترجمها إلى Your Excellency، تشيع أكثر في دول المشرق بينما تشيع “سعادة” في دول المغرب والخليج؛ وهذا لا ينفي فهم كلا الطرفين لمدلولهما. ومما عجبت له لأول وهلة أن وجدت الأردن، وحاكتها في ذلك العراق، تضع لقب “دولة” أمام رئيس الوزراء. ولما بحثت عن أصلها، وجدت أن معظم الرسائل الموجهة لأعلى المقامات الرسمية أيام الدولة العلية العثمانية كانت تبدأ دائمًا بعبارة (دولتلو …) ومعناها صاحب الدولة، وقد نقلها المترجمون العرب واختصروها بعبارة (دولة).

وللأمانة هذا الأمر خضع لتغيرات عبر الزمن، لكن حاولت نقل آخر ما آلت إليه الألقاب في بعض البلدان. هذا فقط مثال بسيط للتأكيد على الفكرة، ونسأل الله العون والسداد ليكن لنا بصمة في هذا الباب إن شاء الله.

وللحديث بقية!

بقلم: شيرين جمال

مترجمة بشركة فيوتشر للترجمة

ألسن لغة إنجليزية – جامعة عين شمس

Leave A Comment